محمد بن زكريا الرازي

18

منافع الأغذية ودفع مضارها

كان الرازي وصحبه من الأطباء العرب ، القدوة المثلى لأطباء الغرب في معالجتهم مرضى الأعصاب الذين لا رجاء في شفائهم ، على حين اعتقد الغرب ان هذا المرض لعنة من السماء حلت بصاحبها ، أو شيطان دخل في نفسه . فكان هؤلاء البشر المعذبون يوهنون في سجون مظلمة ، وقد قيدت أيديهم وأرجلهم ، ويعزلون عن العالم وعن أهلهم في مكان يدعى ( المستشفى السجن ) أو ( البيت العجيب ) ويسلّم أمرهم إلى رجال أشداء لا يعرفون إلّا لغة الضرب والشتم والتعذيب طوال حياتهم . والغريب أن العدالة كانت تعاقب المصاب بمرض عقلي على ما يرتكبه معاقبة العاقل الراشد . حتى اليونان كانوا يسلمون الرجل الذي يشكو ضعفا في قواه العقلية إلى أهله ليحبسوه عن العالم . هذه حال الغرب . أما الرازي وغيره فقد رأوا تخصيص المشافي والعيادات الخاصة لاستقبال أولئك المرضى لمراقبتهم والاشراف على علاجهم تحت اسم ( مشفى الأبرياء ) وعلى الرغم أنه كان أبو قراطي المذهب جالينوسيّة فلم يمنعه ذلك من نقد صاحبيه عندما رأى أن ثمة خلافا بينه وبينهما في بعض المسائل الطبية وألف كتابا سمّاه الشكوك على جالينوس وقد زرع الرازي في نفوس تلاميذه الأطباء قدسية الحرفة وحارب الشعوذة والرجل ومما عثرنا عليه رسالة موجهة من أبي بكر الرازي إلى بعض تلاميذه نشرت جزءا منها مجلة الفيصل في عددها رقم 42 تحت عنوان أخلاق الطبيب . وقد حقق هذه الرسالة وقدم لها الدكتور عبد اللطيف محمد العيد . نجتزيء منها هذه الفقرات : 1 - أن يصون الطبيب نفسه عن الاشتغال باللهو والطرب لأن مهنة الطب مهنة جادة ، واللهو والطرب من الأشياء التي تصرف الانسان عن الجد والواقع ، وتجعله يعيش في جو حالم بعيدا عن آلام الناس ، ولا يليق بالطبيب أن يكون أضحوكة أمام الناس إذا لها أو طرب ، لأن اللهو والطرب يخرجان الانسان عن طوره ، كما نهى الرازي تلميذه عن السّكر ؛ لأنه يذهب العقل والوقار ، فلا يدري الطبيب ما علة المريض وما هو الدواء النافع له ، كما لا يستطيع الطبيب السكران أن يجري عملية جراحية لما قد يترتب عليها من نتائج خطيرة نتيجة السكر . 2 - علاقة الطبيب بالمرضى يقول الرازي : « واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقا بالناس ، حافظا لغيبهم ، كتوما لأسرارهم » فمعاملة الناس برفق من قبل الطبيب يعطيهم أمانا وراحة نفسية ، لا يقدرها إلّا من يحس بها من